العيني

307

عمدة القاري

على استحباب ذلك ، قال مالك : وأدركنا الأئمة يفعلونه ، وقال أبو حنيفة : يستحب له ذلك ، فإن لم يفعل فلا حرج عليه ، وقال الترمذي : أخذ بهذا بعض أهل العلم فاستحبه للإمام ، وبه يقول الشافعي ، وذكر في ( الأم ) : أنه يستحب للإمام والمأموم ، وبه قال أكثر الشافعية . وقال الرافعي : لم يتعرض في ( الوجيز ) إلاّ للإمام ، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم ، ومنهم من قال : إن علم المعنى وثبتت العلة بقي الحكم ، وإلاّ انتفى بانتفائها ، فإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء . وقال الأكثرون : يبقى الحكم ولو انتفت العلة للاقتداء ، كما في الرمل وغيره . تابَعَهُ يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ عنْ فُلَيْحٍ عنْ سَعِيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وحَدِيثُ جَابِرٍ أصَحُّ أي : تابع أبا تميلة يونس بن محمد البغدادي أبو محمد المؤدب ، وقد مر في : باب الوضوء مرتين ، ومتابعته إياه في روايته عن فليح عن سعيد المذكور عن أبي هريرة ، هكذا وقع عند جمهور رواه البخاري من طريق الفربري ، ولكن فيه إشكال واعتراض على البخاري ، لأن قوله : ( وحديث جابر أصح ) ينافي قوله : ( تابعه ) ، لأن المتابعة تقتضي المساواة ، فكيف تقتضي الأصحية ؟ لأن قوله : أصح ، أفعل التفضيل ، فيقتضي زيادة على المفضل عليه ، ويزول الإشكال بأحد الوجهين : أحدهما : بما ذكره أبو علي الجبائي : إنه سقط قوله : وحديث جابر أصح من رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري . والآخر : بما ذكره أبو مسعود في كتابه ، قال قال : البخاري في كتاب العيدين : قال محمد بن الصلت : عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة بنحو حديث جابر ، فقال الغساني : لم يقع لنا في ( الجامع ) حديث محمد بن الصلت إلاّ من طريق أبي مسعود ، ولا غنى بالباب عنه لقول البخاري : وحديث جابر أصح . قلت : حينئذ تظهر الأصحية ، لأنه يكون حديث أبي هريرة صحيحا ويكون حديث جابر أصح منه ، ألا ترى أن الترمذي روى في ( جامعه ) : حدثنا عبد الأعلى وأبو زرعة ، قالا : حدثنا محمد بن الصلت عن فليح ابن سليمان عن سعيد بن الحارث عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع من غيره ) ، ثم قال : حديث أبي هريرة غريب ، ورواه أبو نعيم أيضا في مستخرجه بما يزيل الإشكال بالكلية ، فقال : أخرجه البخاري عن محمد عن أبي تميلة ، وقال : تابعه يونس بن محمد عن فليح ، وقال محمد بن الصلت : عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح . وبهذا أشار البرقاني أيضا . وكذا قال البيهقي : أنه وقع كذلك في بعض النسخ ، وقد اعترض على البخاري أيضا بوجهين آخرين : أحدهما : هو الذي اعترضه أبو مسعود في ( الأطراف ) على قوله : ( تابعه يونس ) فقال : إنما رواه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة ، إلاّ جابر . والآخر : أن البخاري روى حديث جابر المذكور وحكم بأنه أصح من حديث أبي هريرة ، مع كون البخاري قد أدخل أبا تميلة في كتابه في الضعفاء . وأجيب عن الأول : بمنع الحصر ، فإن الإسماعيلي وأبا نعيم أخرجا في ( مستخرجيهما ) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة : عن يونس عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة . وعن الثاني : بأن أبا حاتم الرازي قال : تحول أبو تميلة في كتابه في الضعفاء ، فإنه ثقة ، وكذا وثقه يحيى بن معين والنسائي ومحمد بن سعد ، واحتج به مسلم وبقية الستة . وقال شيخنا الحافظ زين الدين ، مدار هذا الحديث مع هذا الاختلاف على فليح بن سليمان ، وهو ، إن احتج به الشيخان ، فقد قال فيه ابن معين : لا يحتج بحديثه . وقال فيه مرة ، ليس هذا بثقة ، وقال مرة : ضعيف ، وكذا قال النسائي ، وقال أبو داود : لا يحتج بحديثه ، وقال الدارقطني : يختلفون فيه ، ولا بأس به . وقال ابن عدي : هو عندي لا بأس به . وقال الساجي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات . 25 ( ( بابٌ إذَا فاتَهُ العِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ) ) أي : هذا باب ترجمته : إذا فاتت الرجل صلاة العيد مع الإمام يصلي ركعتين ، وفهم من هذه الترجمة حكمان : أحدهما : أن صلاة العيد إذا فاتت الرجل مع الجماعة فإنه يصليها ، سواء كان الفوت بعارض أو غيره . والآخر : أنها تقضي ركعتين كأصلها ، وفي كل واحد من الوجهين اختلاف العلماء . أما الوجه الأول : فقد قال قوم : لا قضاء عليه أصلا وبه قال مالك وأصحابه ، وهو قول المزني ، وعند أصحابنا الحنفية كذلك : لا يقضيها إذا فاتت عن الصلاة مع الإمام ، وأما إذا فاتت عنه مع الإمام فإنه يصليها مع الجماعة في اليوم الثاني . وفي قاضيخان : إذا تركها بغير عذر لا يقضيها أصلاً ، وبعذر يقضيها في اليوم الثاني في وقتها ، وبه قال